السيد كمال الحيدري

55

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

فعندئذ يكون ما يريده الله أزلًا هو الترك ؛ لأنّ المفروض أنّ الله سبحانه أراد من الأزل أن يكون العبد مختاراً في الفعل ، وإلّا لو لم يكن مختاراً لانقلب علمه جهلًا . كذلك إن قلنا : إنّ الله أراد هذا الفعل من العبد أزلًا ، فلأنّه علم منه أن سيختاره بملء إرادته ، ولو علم منه أنّه سوف يختار الترك ، لكان الذي يريده الله منه أزلًا هو الترك . بهذا يتّضح أنّ علم الله بصدور الفعل ووقوعه أو علمه بالترك وعدم وقوع الفعل إنّما يكون مع اختيار الفاعل ، بنحو يكون هذا الاختيار جزءاً من مقدّمات وقوع الفعل . أىّ أنّ العلم الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل عن فاعله على وجه الإطلاق ، بل تعلّق علمه بصدور كلّ فعل عن فاعله بحسب الخصوصيات الموجودة فيه . وبشأن الفاعل الإنسانى فإنّ علم الله سبحانه تعلّق بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحريّة « 1 » . وهكذا ينتهى هذا التفسير إلى حفظ أصل العلم الإلهى ، مضافاً إليه كيفيّة وقوع المعلوم أيضاً ، بحيث يكون العلم الإلهى متعلّقاً بكلّ شئ على ما هو عليه ، ومن ثمّ فهو متعلّق بالفعل الإنسانى بلحاظ خصوصية الإنسان كفاعل حرّ مختار « 2 » . يقول الطباطبائي محشّياً على « الأسفار » : « ولا يُستشكل بلزوم الجبر في الأفعال الاختيارية ، فإنّ العلم الأزلي متعلّق بكلّ شئ على ما هو عليه ، فهو متعلِّق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية ، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية .

--> ( 1 ) الإلهيّات ، مصدر سابق ، ص 631 . ( 2 ) في هذا الضوء يتّضح أنّ ما صرّح به عدد من الأصوليّين من أنّ الله أراد فيريد العبد ، لا ينقذ الموقف من مشكلة الجبر .